هل يمكن أن يسبب التوتر المرض؟
جميعنا نواجه التوتر في حياتنا اليومية، فهو أمر طبيعي ولا مفر منه. في الواقع، يُعدّ التوتر وسيلة الجسم للاستعداد لمواجهة المواقف الخطرة، وهو ضروري لمساعدتك على التكيف مع المواقف الخطيرة وحماية نفسك.
كما هو الحال مع كثير من أمور الحياة، تكمن مشكلة التوتر في كيفية موازنته وإدارته. لا مفر من التوتر، فجميعنا نتعامل معه بدرجة أو بأخرى. السؤال هو: هل نسمح لأنفسنا بالاستسلام لآثاره السلبية، أم نعالج ما قد يكون سببه الجذري؟
يُمكن للضغط النفسي أن يؤثر على جميع جوانب حياتنا تقريبًا. فهو قادر على إحداث فوضى في مشاعرنا وسلوكياتنا وقدراتنا الفكرية. لكن تأثيراته على الصحة البدنية للجسم بدأت تُناقش مؤخرًا فقط.
فهم ما يحدث للجسم عند التعرض للضغط النفسي

عندما تتعرض للضغط النفسي، يفرز جسمك هرمون الكورتيزول كجزء من آلية الاستجابة للقتال أو الهروب. يمنح الكورتيزول جسمك دفعة طبيعية من الطاقة، ويحوّل تركيزه بطبيعته إلى الوظائف الأساسية التي ستساعدك في حالات الطوارئ.
وبذلك، فإنه يعطل مؤقتاً الوظائف غير الأساسية مثل وظائف الجهاز المناعي والهضمي والتناسلي، ووظائف الدماغ التي تتعامل مع تعديل المزاج والتحفيز والخوف.
خلال فترات طويلة من الإجهاد المزمن، ينتج جسمك الكورتيزول حتى في غياب أي حالة تستدعي المواجهة أو الهروب. وبالتالي، يتراكم الكورتيزول ويشكل مخاطر صحية جسيمة.
الآثار السلبية قصيرة المدى للتوتر

قد يؤدي التعرض المفرط لهرمونات التوتر، مثل الكورتيزول، إلى اضطراب وظائف الجسم الطبيعية. فعلى المدى القصير، قد يُسبب النسيان، وضعف القدرة على اتخاذ القرارات، وعدم القدرة على التركيز، والأفكار التشاؤمية المفرطة. وقد يجعلك تشعر بالانفعال أو سرعة الغضب، أو بالإرهاق، أو بفقدان السيطرة. ونتيجة لذلك، قد تنعزل عن الناس، أو تشعر بالاكتئاب.
أما من الناحية الجسدية، فيمكن أن يسبب الإجهاد الصداع، وانخفاض مستويات الطاقة، وتغيرات في الشهية أو اضطراب المعدة، وآلام الجسم، وآلام الصدر، والأرق، وانخفاض الرغبة الجنسية، والعصبية.
للتكيف مع ما سبق، غالباً ما يلجأ الأفراد إلى الكحول والمخدرات والتدخين، أو قد يظهرون سلوكاً عصبياً أو تجنبياً مثل قضم الأظافر والتجول ذهاباً وإياباً والمماطلة.
الآثار السلبية طويلة المدى للتوتر

على المدى الطويل، يكون الإجهاد أكثر خطورة لأنه يمكن أن يؤدي إلى تفاقم العديد من الأمراض الخطيرة.
-
قضايا الصحة العقلية
يؤدي التوتر إلى ارتفاع مستويات الكورتيزول، وانخفاض إفراز العديد من المواد الكيميائية المحسّنة للمزاج، مثل السيروتونين والدوبامين والنورأدرينالين. وقد يُفضي ذلك إلى مشاكل في الصحة النفسية، بما في ذلك الاكتئاب والقلق واضطرابات الشخصية.
-
أمراض القلب والشرايين
يؤدي التوتر إلى ارتفاع ضغط الدم ومستويات الكوليسترول، مما يجعلك أكثر عرضة للإصابة بأمراض القلب والأوعية الدموية، بما في ذلك النوبات القلبية وارتفاع ضغط الدم.
-
مشاكل الجهاز الهضمي، والسمنة، واضطرابات الأكل
يُعطّل الكورتيزول وظائف الجهاز الهضمي مؤقتًا. لذا، فإن التعرض المطوّل له قد يُسبب مجموعة من مشاكل الجهاز الهضمي، مثل آلام البطن، والغثيان، وعسر الهضم، والإسهال، والإمساك، والتهاب المعدة. كما يُمكن أن يُسبب متلازمة القولون العصبي أو يُفاقمها، ويزيد من خطر الإصابة بقرحة المعدة.
علاوة على ذلك، قد تؤدي المستويات المرتفعة من الكورتيزول إلى زيادة الوزن من خلال التأثير على عوامل مثل جودة النوم وعادات الأكل. كما أن التوتر قد يدفعك إلى الإفراط في تناول الأطعمة غير الصحية مثل السكريات والكربوهيدرات الفارغة.
-
الحساسية، مشاكل الجلد والشعر
يرتبط التوتر بظهور الربو والحساسية وتفاقمهما. ويعود ذلك إلى إفراز الجسم للهيستامين، وهو مادة كيميائية تُشارك في الاستجابة المناعية وتُسبب ردود الفعل التحسسية، استجابةً للتوتر. وبالتالي، فإن استمرار مستويات التوتر المرتفعة لفترات طويلة قد يُسبب ردود فعل تحسسية أو يُفاقمها.
بالإضافة إلى ذلك، يمكن أن يسبب أعراضًا جلدية مثل الطفح الجلدي أو الشرى، ويمكن أن يؤدي إلى نوبة ربو أو حتى تساقط الشعر الدائم.
-
ضعف وظائف الجهاز المناعي
ثبت أن الإجهاد النفسي المزمن يُضعف وظائف الجهاز المناعي ويُثبط الاستجابات الالتهابية للجسم. ويرتبط هذا الالتهاب بتطور العديد من الأمراض وتفاقمها. لذا، فإن الأفراد الذين يعانون من الإجهاد المستمر أكثر عرضة للإصابة بنزلات البرد وغيرها من العدوى عند تعرضهم للجراثيم.
السيطرة على التوتر

يُعدّ التوتر جزءًا من الحياة، لكن يمكن السيطرة عليه. من الضروري التحكم في التوتر وأعراضه. من المعروف أن ممارسة الرياضة واليوغا والتأمل وتمارين التنفس العميق، والاستماع إلى الموسيقى الهادئة، والحصول على قسط كافٍ من النوم، واللعب مع حيوان أليف، وتقليل الالتزامات لقضاء بعض الوقت في الاسترخاء، كلها أمور تساعد في إدارة التوتر.
إذا شعرت بالإرهاق، فتحدث إلى أحد أفراد عائلتك أو صديق. استشر طبيباً إذا كنت لا تزال تشعر بالعجز. ففي النهاية، مراقبة مستوى التوتر لديك قد تنقذ حياتك.




